من الألم إلى الأمل … قصة نجاح
في أحد أحياء الانتصار بمحافظة نينوى، كانت إحدى الأمهات تعيش صراعاً يومياً مع ضغوط الحياة والمسؤوليات المتراكمة. وبينما كانت تبذل كل ما بوسعها لتأمين احتياجات أطفالها، كانت تخوض بصمت معركة نفسية أنهكتها، حتى أصبحت غير قادرة على السيطرة على مشاعرها وانفعالاتها.
لم تكن تدرك أن ما تعيشه من ضغوط لم يعد يؤثر عليها وحدها، بل امتد ليترك آثاره على أطفالها، الذين بدأت تظهر عليهم علامات الخوف والقلق والعزلة، إلى جانب تراجع واضح في مستواهم الدراسي.
وخلال تنفيذ الأنشطة الترفيهية للأطفال ضمن مشروع SPA 60%، الذي تنفذه جمعية الهلال الأحمر العراقي – فرع نينوى بدعم من الصليب الأحمر الدنماركي، لاحظ فريق الدعم النفسي الاجتماعي وجود مؤشرات واضحة للضغط النفسي لدى مجموعة من الأطفال. ولم يكتفِ الفريق بالملاحظة، بل بادر إلى متابعة أوضاعهم من خلال الزيارات المنزلية، ليكتشف أن الأطفال يعيشون في بيئة مثقلة بالضغوط النفسية.
وبعد تقييم الحالة، تمت دعوة الأم للمشاركة في جلسة توعوية بعنوان “الطفل يعاني من الضغط”، حيث وجدت للمرة الأولى مساحة آمنة للتعبير عن مشاعرها وما كانت تعانيه من حزن وإرهاق نفسي.
وخلال الجلسة، تحدثت بصراحة عن الضغوط التي عاشتها لسنوات، واعترفت بأنها وصلت في إحدى المراحل إلى التفكير بإنهاء حياتها، كما أقرت بأن معاناتها النفسية كانت تدفعها إلى التعامل بعصبية مع أطفالها واستخدام العنف معهم، دون أن تدرك أن أكثر المتضررين من تلك الضغوط كانوا أطفالها.
ولم يتوقف دور فريق الدعم النفسي الاجتماعي عند جلسة واحدة، بل استمرت المتابعة من خلال الزيارات المنزلية وجلسات الدعم والإرشاد، حيث عمل الفريق على مساعدتها في فهم العلاقة بين صحتها النفسية واستقرار أسرتها، وتزويدها بمهارات عملية لإدارة الضغوط والانفعالات، وتعزيز أساليب التربية الإيجابية والتواصل الصحي مع أطفالها.
ومع مرور الوقت، بدأت ملامح التغيير تظهر داخل الأسرة. أصبح المنزل أكثر هدوءاً، وتحسنت علاقة الأم بأطفالها، وعادت الابتسامة إلى وجوههم، بينما استعادت هي ثقتها بنفسها، وأصبحت أكثر قدرة على مواجهة تحديات الحياة بروح من الأمل والإيجابية.
وفي ختام رحلة المتابعة قالت :
“كنت أعتقد أنني وحدي من يتألم، لكنني أدركت أن أطفالي كانوا يعيشون ألمي معي. اليوم تعلمت كيف أعتني بنفسي لأستطيع أن أعتني بهم، وأصبحت أؤمن أن التغيير ممكن مهما كانت الظروف صعبة. أشكر جمعية الهلال الأحمر العراقي وفريق الدعم النفسي الاجتماعي لأنكم منحتموني بداية جديدة وحياة مليئة بالأمل.”
تجسد هذه القصة الأثر الحقيقي لخدمات الدعم النفسي الاجتماعي، التي لا تقتصر على مساعدة فرد واحد، بل تمتد لتعيد الأمل والاستقرار إلى أسرة بأكملها، وتؤكد أن التدخل الإنساني في الوقت المناسب قادر على إحداث تغيير حقيقي ومستدام في حياة الناس.

